عباس الحايك
04-02-2007, 05:18 PM
«وارث محمد» مسرح، أم شعيرة حسينية؟
[/URL] (java******:OpenWin('print.php?id=14829' , 'prnArt', '750', '550', 'yes');)
http://rasid.zapto.org/media/lib/pics/thumbs/1170534029.jpg (java******:OpenWin('comments.php?id=148 29', 'prnArt', '400', '480', 'no');) عباس أحمد الحايك (http://rasid.zapto.org/writers.php?id=215) ** (http://rasid.zapto.org/artc.php?id=14829#writer_desc) - 3 / 2 / 2007م - 11:32 م
تمثلت خلاصة احتفالات موكب أهل البيت http://rasid.zapto.org/images/prefix/a3.gif بالقديح بذكرى عاشوراء السنوية بطقس الشبيه أو ما يتعارف عليه شعبياً بحرق الخيام، وقد وسم هذا العام بـ «وارث محمد»، وأقيم في ساحة التمثيل غرب القديح، وهذا الطقس كما هو معروف يجسد واقعة كربلاء وما حل على الحسين وأصحابه وأهله من جيش بني أمية الذي يقوده عمرو بن سعد. وقد احتشد جمهور كثيف حجوا إلى المكان لحضوره والمشاركة وإعلان الحزن على الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif.
شهر المحرم هو الموعد السنوي الذي ينتظره محبو الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif للاحتفال بذكرى عاشوراء وتذكر مأساة استشهاده مع بعضٍ من أهله وأصحابه، الذين رووا ثرى كربلاء بدمهم الشريف، ليسطروا أسمى ملحمة فداء عرفها التاريخ، ويؤسسوا لتيار رفض لفساد الحكم والإقطاع والقمع الذي خالف شرائع الله ورسالة النبي الأعظم http://rasid.zapto.org/images/prefix/a1.gif المتمثل في الهالك معاوية ابن أبي سفيان الذي أسس للملكية والكسروية التي تصدى لها الإسلام، بعد أن عين ولده يزيداً ولياً للعهد ليكون خليفة للمسلمين وهو المعروف بفساده الأخلاقي، تيار الرفض هذا صار نموذجاً احتذى به المسلمون وغيرهم، فغاندي انتهل من معين ثورة الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif، وتعلم منها «كيف يكون مظلوماً فينتصر». هذا التذكر السنوي يحييه الشيعة في كل مكان بزيارته في مرقده في كربلاء، أو من بُعد، أو بالمشاركة في حضور ما يقدمه المنبر من محاضرات وقراءات حسينية، أو بالمشاركة بمواكب اللطم والعزاء، شعائر تتنوع ولكن الغاية واحدة.
http://rasid.zapto.org/media/lib/pics/1170106139.jpgومن الشعائر الحسينية التي جاءت متأخرة إلى المناطق البعيدة عن مراكز الحراك الشيعي الفاعل، وأعني بها إيران والعراق والتي يحتضن ترابها مراقد الأئمة، طقس الشبيه، أو ما أطلق عليه بعض المنظرين المسرحيين مسرح التعزية، فوجود هذا الطقس حديث مقارنة بوجوده في تلك المراكز أو حتى في لبنان وجنوبه ذو الأغلبية الشيعية، خاصة في النبطية التي استوردت هذا الطقس مبكراً من إيران. وتعود بدايات هذا الطقس إلى عهد معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي عام 352هـ 963م، أحد سلاطين الدولة البويهية التي حكمت إيران، وقد تطور هذا الطقس أكثر في عهد الشاه إسماعيل الصفوي واعتنت به الدولة، ومنها انتقل بعدها إلى العراق وإلى لبنان. وهذا الطقس هو إعادة تجسيد حادثة كربلاء، بتسلسلها الزمني وبشخصياتها التي شاركت في المعركة وانتهت بشهادة الإمام الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif ومن معه، وهذا الطقس غايته لا تختلف عن غاية الشعائر الحسينية الأخرى، وهي تجديد الحزن على المأساة ومواساة أهل البيت http://rasid.zapto.org/images/prefix/a3.gif بالفجيعة. بيد أن الشحنة العاطفية في هذا الطقس تفوق كثيراً مثيلاتها، من مواكب العزاء والخطابة الحسينية، كونه يعتمد على التلقي البصري والسمعي المباشر، لذا يجد عناية من الجمهور الشيعي لحضوره والمشاركة فيه، خاصة مع سطوة الصورة وحضورها القوي في الوقت الحاضر وفعاليتها في التلقي.
في القطيف، المدينة الشيعية الواقعة شرق السعودية، وعلى ضفة الخليج العربي الغربية بالتحديد، يحضر هذا الطقس بقوة في بعض قراها، منذ بُدأ بممارسته، وإن لم يثبت بالدقة تاريخ أول ممارسة له، وكيف ومن أين أتى إليها، لكني سأستعين بخزين ذاكرتي، ومن مشاهدتي وحضوري لهذا الطقس منذ أواسط الثمانينات الماضية في قريتي «القديح». فقد بدأ الطقس فيها بسيطاً دون أن يقترب من طقس الشبيه في إيران والعراق، فقد كان يجسد حز رأس الإمام الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif ورفعه على رمح، وحرق خيامه، ولم يكن يخض لتراتبية زمنية أو زمنية، فلا أحداث فيه، وينتهي بالدوران واللطم على الصدر والرأس ركضاً حول الخيام المحروقة، في ما يشبه ركضة طويريج المعروفة عند العراقيين، والتي تنتهي بها الشعائر الحسينية، وهذا ما جعل الطقس يعرف حتى اليوم بحرق الخيام.
واستمر على هذه الشاكلة لسنوات، حتى بدأ التجديد، بعد إشراف موكب أهل البيت http://rasid.zapto.org/images/prefix/a3.gif على هذا الطقس، ومحاولة مقاربته مع ما يمارس في النبطية والعراق، بتجسيد الفاجعة، كما وردت تاريخياً، من خلال مشاركة راوٍ من رواديد الموكب يقرأ السيرة ويمثل المشاركون في الطقس أدوارهم دون حوارات، وكان يختم بإضرام النار في الخيام وسبي النساء والأطفال، ولم تكن الشخصيات المقدسة مثل الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif والعباس والأكبر حاضرة في هذا الطقس لاعتبارات اجتماعية لم تكن تتقبل تجسيد هذه الأدوار، وكان التركيز على دور السيدة زينب في المعركة وما بعدها.
هذا التغيير لم يكن كافياً لتكثيف الجانب الشعوري تجاه الفاجعة، خاصة مع تغير حاسة الناس للتلقي، والرغبة في تجسيد تفاصيل أكثر من الواقعة، مما حدا بالموكب إلى التجديد في السيناريو المنفذ، فعادوا إلى السيرة، للبحث عن المواقف التي تؤدي غاية إذكاء جمرة الألم والعاطفة، فأدخلت شخصية الإمام وأخيه العباس وولده الأكبر، بعد أن تخفف المجتمع من حساسية تجسيد هذه الشخصيات، لكن تحت شرط أن يؤديها مؤمنون معروفون، أو من أحد طلبة العلوم الدينية. وهكذا بدأ الطقس مرحلة جديدة على مستوى الحكاية والأداء وتأثيث ساحة التجسيد إضافة للحضور الذي كان مقتصراً على أبناء القرية، لكنه انفتح على أبناء القرى المجاورة الذين صاروا يحجون إلى المكان عصر العاشر من المحرم.
http://rasid.zapto.org/media/lib/pics/1170106129.jpgكنت منذ سنوات أقرأ هذا الطقس بعين المسرحي، محاولاً تطبيق قراءاتي في المسرح وفي النقد المسرحي عليه، رغم إيماني بأنه طقس وليس مسرحاً، وهو ما جاء في مقالي المعنون بـ «مسرح عاشوراء، بين التمسرح والطقوسية»، وكنت أنطلق مما كتب عن موضوع مسرح التعزية، واعتباره مسرحاً عربياً أصيلاً، أو شكلاً من أشكال المسرح، كما اعتبره الباحث التونسي محمد عزيزة في كتابه «المسرح والإسلام»، أو من مقالات المسرحيين العراقيين وغيرهم التي طبقت نظرية المسرح الملحمي البريختي على الطقس، وهو ذاته ما فعله بيتر بروك المخرج البريطاني بعد زيارته لإيران ومشاهدته لهذا الطقس، ضمن رحلاته للبحث عن أشكال مسرحية بدائية. فإذا ما طبقنا قواعد المسرح على هذا الطقس، نجده ينتمي للمسرح الشرطي حسب الدكتور فاضل السوداني في دراسته عن مسرح التعزية، فهو «لا يستخدم ديكور أو أدوات متكاملة وإنما يعمد إلى استخدام الديكور الشرطي بالمفهوم ذاته في المسرح المعاصر، وكذلك فإن الإسلوب الشرطي في الطقس يشمل أيضاً الأداء وتنظيم وسائل الطقس الدرامية الأخرى، أي أنهم يعرضون جوهر الحدث والديكور ودلالاته الرمزية - فيستخدمون نخلة واحدة للدلالة على غابة من النخيل، وممثل مدجج بالسلاح للتعبير عن جيش كامل»، وهو ما شاهده جمهور «وارث محمد»، فالجيش الأموي ليس سوى عدد من الأفراد الرجالة، واثنين من الخيالة، والمسافة بين موقع خيام الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif والجيش تختصر في بعض أمتار، كما أن النزالات بين الطرفين تختصر زمنياً وشكلاً، ويعتبر محمد سيف أن هذا الطقس يعبر في جوهره «عن فكرة المسرح الجوال الذي يمكن إقامته في أي مكان وذلك لاحتوائه على اكسسوارات بسيطة يمكن نقلها والترحال بها في أي اتجاه. فهو احتفال في شكله وجوهره قريب كل القرب من مسرح الشارع الذي عادة ما يقع في الأمكنة الخارجة عن معمارية الأبنية التقليدية مثل الشارع، السوق، المقهى، إلخ..». مع هذا، فإني رميت بهذه القواعد المسرحية وراء ظهري وتابعت الطقس مثلي مثل غيري ممن دفعتهم خصوصية اليوم إلى الحضور بكثافة في المكان القصي عن القرية، ومشاهدة الحادثة ماثلة أمام أعيننا.
هذا العام دخل الطقس مرحلة أكثر جدة وجدية واختلاف، على كل المستويات، رغم أن سيناريو الحكاية لم يتغير منذ سنوات، فتجسيد مقتل أصحاب الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif وإبنه الأكبر وابن أخيه القاسم وأخيه العباس، كما هو منذ سنوات، ولكن صياغته وتوزيع الحوارات وأبيات النياحات فيه خرجت عن بساطتها، رغم أن هذه النياحات هي من المألوف طريقة وشعراً، لكن تمازجها جاء جديداً ومتميزاً ومؤثراً، خاصة مع إدخال المؤثرات الصوتية والآهات التي أججت حالة التفجع في الحكاية، فهذه المؤثرات كانت شريكاً في جوقة البكاء الذي كان نتيجة لمشاهدة الواقعة. الجدية أيضاً في تطوير هذا الطقس على مستوى التنظيم، فهذه المرة الأولى التي تخصص مدرجات مبنية من سقالات للحضور، وكانت امتلأت باكراً إضافة للكراسي التي توزعت حول المكان، فالوقوف الطويل حول الساحة والفوضى التي كانت خارجة عن يد الموكب هي سمة الطقس في السنوات الماضية.
لكن مأزق هذا الطقس إذا ما قرأناه مسرحياً، هو الأداء المسرحي للممثلين، كونهم ليسوا ممثلين حقيقيين، حتى الممثلين الذين يقرأون الحوارات هم عادة ما يكونوا من الرواديد الذين لا يملكون إمكانات الأداء الجيد والمقنع والمتنوع المنسجم مع الموقف والسياق، على اعتبار أن المشاركين في هذا الطقس يعملون مدفوعين بالرغبة والحاجة للتبرك بهذه الشعيرة الحسينية وإحيائها، وهو ما يتجلى في حركات أيديهم الرتيبة أثناء الحوارات، إلا أنهم تميزوا كثيراً في النزالات خاصة تلك التي كانت بالخيل، ويعيب على صدقية المشهد في «وارث محمد» وواقعيته هو اختيار المشاركين في جيش بني أمية، فبنية أكثرهم الجسدية الميالة للضعف والصغر لا تتناسب وبنية جيش بقسوة الجيش الذي قاتل الإمام الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif. وهذا المأزق يشترك فيه كل ممارسي هذا الطقس في كل مكان، عدا محاولات الدكتور رئيف كرم في إدخال ممثلين محترفين لتقديم شخصيات الواقعة في النبطية قبل سنوات، وما فعله هذا العام المخرج اللبناني حسام صباح في نفس المدينة، إلا أن هذا السعي للتجديد وتحويل ممارسة الطقس العفوية إلى التكلف والحرفية لم يرفع من قيمته عند الحضور، ويغير من اندفاع حالة الأسى والحزن على ضحايا هذا الجيش، واللعنة على أفراده وقادته، لأن وقع الحادثة ومستوى الفجيعة فيها أكبر من عيوب الأداء أو تميزه التي لا يلحظها حضور هذا الطقس، أو يتجاوزون عنها لأنهم لا يحضرون عرضاً مسرحياً قابلاً للنقد وإنما يحيون طقساً وشعيرة دينية يتذكرون فيها مأساة إمامهم وأهل بيته في سبيل إحياء دين جده الذي انتهكته عقليات الأمويين وأطماعهم الدنيوية.
«وارث محمد» هي شعيرة وطقس تعبدي وليس من العدل محاسبته مسرحياً وتأويله بما لا يحتمل، وأروع ما فيه هو عفويته التي تميزه وشعبيته، ومتى ما تعدى هذا الحد فإنه سيفقد وهجه وبراءته.
كاتب وناقد مسرحي - القطيف «القديح»
نقلاً عن شبكة راصد
[URL]http://rasid.zapto.org/artc.php?id=14829
[/URL] (java******:OpenWin('print.php?id=14829' , 'prnArt', '750', '550', 'yes');)
http://rasid.zapto.org/media/lib/pics/thumbs/1170534029.jpg (java******:OpenWin('comments.php?id=148 29', 'prnArt', '400', '480', 'no');) عباس أحمد الحايك (http://rasid.zapto.org/writers.php?id=215) ** (http://rasid.zapto.org/artc.php?id=14829#writer_desc) - 3 / 2 / 2007م - 11:32 م
تمثلت خلاصة احتفالات موكب أهل البيت http://rasid.zapto.org/images/prefix/a3.gif بالقديح بذكرى عاشوراء السنوية بطقس الشبيه أو ما يتعارف عليه شعبياً بحرق الخيام، وقد وسم هذا العام بـ «وارث محمد»، وأقيم في ساحة التمثيل غرب القديح، وهذا الطقس كما هو معروف يجسد واقعة كربلاء وما حل على الحسين وأصحابه وأهله من جيش بني أمية الذي يقوده عمرو بن سعد. وقد احتشد جمهور كثيف حجوا إلى المكان لحضوره والمشاركة وإعلان الحزن على الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif.
شهر المحرم هو الموعد السنوي الذي ينتظره محبو الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif للاحتفال بذكرى عاشوراء وتذكر مأساة استشهاده مع بعضٍ من أهله وأصحابه، الذين رووا ثرى كربلاء بدمهم الشريف، ليسطروا أسمى ملحمة فداء عرفها التاريخ، ويؤسسوا لتيار رفض لفساد الحكم والإقطاع والقمع الذي خالف شرائع الله ورسالة النبي الأعظم http://rasid.zapto.org/images/prefix/a1.gif المتمثل في الهالك معاوية ابن أبي سفيان الذي أسس للملكية والكسروية التي تصدى لها الإسلام، بعد أن عين ولده يزيداً ولياً للعهد ليكون خليفة للمسلمين وهو المعروف بفساده الأخلاقي، تيار الرفض هذا صار نموذجاً احتذى به المسلمون وغيرهم، فغاندي انتهل من معين ثورة الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif، وتعلم منها «كيف يكون مظلوماً فينتصر». هذا التذكر السنوي يحييه الشيعة في كل مكان بزيارته في مرقده في كربلاء، أو من بُعد، أو بالمشاركة في حضور ما يقدمه المنبر من محاضرات وقراءات حسينية، أو بالمشاركة بمواكب اللطم والعزاء، شعائر تتنوع ولكن الغاية واحدة.
http://rasid.zapto.org/media/lib/pics/1170106139.jpgومن الشعائر الحسينية التي جاءت متأخرة إلى المناطق البعيدة عن مراكز الحراك الشيعي الفاعل، وأعني بها إيران والعراق والتي يحتضن ترابها مراقد الأئمة، طقس الشبيه، أو ما أطلق عليه بعض المنظرين المسرحيين مسرح التعزية، فوجود هذا الطقس حديث مقارنة بوجوده في تلك المراكز أو حتى في لبنان وجنوبه ذو الأغلبية الشيعية، خاصة في النبطية التي استوردت هذا الطقس مبكراً من إيران. وتعود بدايات هذا الطقس إلى عهد معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي عام 352هـ 963م، أحد سلاطين الدولة البويهية التي حكمت إيران، وقد تطور هذا الطقس أكثر في عهد الشاه إسماعيل الصفوي واعتنت به الدولة، ومنها انتقل بعدها إلى العراق وإلى لبنان. وهذا الطقس هو إعادة تجسيد حادثة كربلاء، بتسلسلها الزمني وبشخصياتها التي شاركت في المعركة وانتهت بشهادة الإمام الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif ومن معه، وهذا الطقس غايته لا تختلف عن غاية الشعائر الحسينية الأخرى، وهي تجديد الحزن على المأساة ومواساة أهل البيت http://rasid.zapto.org/images/prefix/a3.gif بالفجيعة. بيد أن الشحنة العاطفية في هذا الطقس تفوق كثيراً مثيلاتها، من مواكب العزاء والخطابة الحسينية، كونه يعتمد على التلقي البصري والسمعي المباشر، لذا يجد عناية من الجمهور الشيعي لحضوره والمشاركة فيه، خاصة مع سطوة الصورة وحضورها القوي في الوقت الحاضر وفعاليتها في التلقي.
في القطيف، المدينة الشيعية الواقعة شرق السعودية، وعلى ضفة الخليج العربي الغربية بالتحديد، يحضر هذا الطقس بقوة في بعض قراها، منذ بُدأ بممارسته، وإن لم يثبت بالدقة تاريخ أول ممارسة له، وكيف ومن أين أتى إليها، لكني سأستعين بخزين ذاكرتي، ومن مشاهدتي وحضوري لهذا الطقس منذ أواسط الثمانينات الماضية في قريتي «القديح». فقد بدأ الطقس فيها بسيطاً دون أن يقترب من طقس الشبيه في إيران والعراق، فقد كان يجسد حز رأس الإمام الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif ورفعه على رمح، وحرق خيامه، ولم يكن يخض لتراتبية زمنية أو زمنية، فلا أحداث فيه، وينتهي بالدوران واللطم على الصدر والرأس ركضاً حول الخيام المحروقة، في ما يشبه ركضة طويريج المعروفة عند العراقيين، والتي تنتهي بها الشعائر الحسينية، وهذا ما جعل الطقس يعرف حتى اليوم بحرق الخيام.
واستمر على هذه الشاكلة لسنوات، حتى بدأ التجديد، بعد إشراف موكب أهل البيت http://rasid.zapto.org/images/prefix/a3.gif على هذا الطقس، ومحاولة مقاربته مع ما يمارس في النبطية والعراق، بتجسيد الفاجعة، كما وردت تاريخياً، من خلال مشاركة راوٍ من رواديد الموكب يقرأ السيرة ويمثل المشاركون في الطقس أدوارهم دون حوارات، وكان يختم بإضرام النار في الخيام وسبي النساء والأطفال، ولم تكن الشخصيات المقدسة مثل الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif والعباس والأكبر حاضرة في هذا الطقس لاعتبارات اجتماعية لم تكن تتقبل تجسيد هذه الأدوار، وكان التركيز على دور السيدة زينب في المعركة وما بعدها.
هذا التغيير لم يكن كافياً لتكثيف الجانب الشعوري تجاه الفاجعة، خاصة مع تغير حاسة الناس للتلقي، والرغبة في تجسيد تفاصيل أكثر من الواقعة، مما حدا بالموكب إلى التجديد في السيناريو المنفذ، فعادوا إلى السيرة، للبحث عن المواقف التي تؤدي غاية إذكاء جمرة الألم والعاطفة، فأدخلت شخصية الإمام وأخيه العباس وولده الأكبر، بعد أن تخفف المجتمع من حساسية تجسيد هذه الشخصيات، لكن تحت شرط أن يؤديها مؤمنون معروفون، أو من أحد طلبة العلوم الدينية. وهكذا بدأ الطقس مرحلة جديدة على مستوى الحكاية والأداء وتأثيث ساحة التجسيد إضافة للحضور الذي كان مقتصراً على أبناء القرية، لكنه انفتح على أبناء القرى المجاورة الذين صاروا يحجون إلى المكان عصر العاشر من المحرم.
http://rasid.zapto.org/media/lib/pics/1170106129.jpgكنت منذ سنوات أقرأ هذا الطقس بعين المسرحي، محاولاً تطبيق قراءاتي في المسرح وفي النقد المسرحي عليه، رغم إيماني بأنه طقس وليس مسرحاً، وهو ما جاء في مقالي المعنون بـ «مسرح عاشوراء، بين التمسرح والطقوسية»، وكنت أنطلق مما كتب عن موضوع مسرح التعزية، واعتباره مسرحاً عربياً أصيلاً، أو شكلاً من أشكال المسرح، كما اعتبره الباحث التونسي محمد عزيزة في كتابه «المسرح والإسلام»، أو من مقالات المسرحيين العراقيين وغيرهم التي طبقت نظرية المسرح الملحمي البريختي على الطقس، وهو ذاته ما فعله بيتر بروك المخرج البريطاني بعد زيارته لإيران ومشاهدته لهذا الطقس، ضمن رحلاته للبحث عن أشكال مسرحية بدائية. فإذا ما طبقنا قواعد المسرح على هذا الطقس، نجده ينتمي للمسرح الشرطي حسب الدكتور فاضل السوداني في دراسته عن مسرح التعزية، فهو «لا يستخدم ديكور أو أدوات متكاملة وإنما يعمد إلى استخدام الديكور الشرطي بالمفهوم ذاته في المسرح المعاصر، وكذلك فإن الإسلوب الشرطي في الطقس يشمل أيضاً الأداء وتنظيم وسائل الطقس الدرامية الأخرى، أي أنهم يعرضون جوهر الحدث والديكور ودلالاته الرمزية - فيستخدمون نخلة واحدة للدلالة على غابة من النخيل، وممثل مدجج بالسلاح للتعبير عن جيش كامل»، وهو ما شاهده جمهور «وارث محمد»، فالجيش الأموي ليس سوى عدد من الأفراد الرجالة، واثنين من الخيالة، والمسافة بين موقع خيام الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif والجيش تختصر في بعض أمتار، كما أن النزالات بين الطرفين تختصر زمنياً وشكلاً، ويعتبر محمد سيف أن هذا الطقس يعبر في جوهره «عن فكرة المسرح الجوال الذي يمكن إقامته في أي مكان وذلك لاحتوائه على اكسسوارات بسيطة يمكن نقلها والترحال بها في أي اتجاه. فهو احتفال في شكله وجوهره قريب كل القرب من مسرح الشارع الذي عادة ما يقع في الأمكنة الخارجة عن معمارية الأبنية التقليدية مثل الشارع، السوق، المقهى، إلخ..». مع هذا، فإني رميت بهذه القواعد المسرحية وراء ظهري وتابعت الطقس مثلي مثل غيري ممن دفعتهم خصوصية اليوم إلى الحضور بكثافة في المكان القصي عن القرية، ومشاهدة الحادثة ماثلة أمام أعيننا.
هذا العام دخل الطقس مرحلة أكثر جدة وجدية واختلاف، على كل المستويات، رغم أن سيناريو الحكاية لم يتغير منذ سنوات، فتجسيد مقتل أصحاب الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif وإبنه الأكبر وابن أخيه القاسم وأخيه العباس، كما هو منذ سنوات، ولكن صياغته وتوزيع الحوارات وأبيات النياحات فيه خرجت عن بساطتها، رغم أن هذه النياحات هي من المألوف طريقة وشعراً، لكن تمازجها جاء جديداً ومتميزاً ومؤثراً، خاصة مع إدخال المؤثرات الصوتية والآهات التي أججت حالة التفجع في الحكاية، فهذه المؤثرات كانت شريكاً في جوقة البكاء الذي كان نتيجة لمشاهدة الواقعة. الجدية أيضاً في تطوير هذا الطقس على مستوى التنظيم، فهذه المرة الأولى التي تخصص مدرجات مبنية من سقالات للحضور، وكانت امتلأت باكراً إضافة للكراسي التي توزعت حول المكان، فالوقوف الطويل حول الساحة والفوضى التي كانت خارجة عن يد الموكب هي سمة الطقس في السنوات الماضية.
لكن مأزق هذا الطقس إذا ما قرأناه مسرحياً، هو الأداء المسرحي للممثلين، كونهم ليسوا ممثلين حقيقيين، حتى الممثلين الذين يقرأون الحوارات هم عادة ما يكونوا من الرواديد الذين لا يملكون إمكانات الأداء الجيد والمقنع والمتنوع المنسجم مع الموقف والسياق، على اعتبار أن المشاركين في هذا الطقس يعملون مدفوعين بالرغبة والحاجة للتبرك بهذه الشعيرة الحسينية وإحيائها، وهو ما يتجلى في حركات أيديهم الرتيبة أثناء الحوارات، إلا أنهم تميزوا كثيراً في النزالات خاصة تلك التي كانت بالخيل، ويعيب على صدقية المشهد في «وارث محمد» وواقعيته هو اختيار المشاركين في جيش بني أمية، فبنية أكثرهم الجسدية الميالة للضعف والصغر لا تتناسب وبنية جيش بقسوة الجيش الذي قاتل الإمام الحسين http://rasid.zapto.org/images/prefix/a2.gif. وهذا المأزق يشترك فيه كل ممارسي هذا الطقس في كل مكان، عدا محاولات الدكتور رئيف كرم في إدخال ممثلين محترفين لتقديم شخصيات الواقعة في النبطية قبل سنوات، وما فعله هذا العام المخرج اللبناني حسام صباح في نفس المدينة، إلا أن هذا السعي للتجديد وتحويل ممارسة الطقس العفوية إلى التكلف والحرفية لم يرفع من قيمته عند الحضور، ويغير من اندفاع حالة الأسى والحزن على ضحايا هذا الجيش، واللعنة على أفراده وقادته، لأن وقع الحادثة ومستوى الفجيعة فيها أكبر من عيوب الأداء أو تميزه التي لا يلحظها حضور هذا الطقس، أو يتجاوزون عنها لأنهم لا يحضرون عرضاً مسرحياً قابلاً للنقد وإنما يحيون طقساً وشعيرة دينية يتذكرون فيها مأساة إمامهم وأهل بيته في سبيل إحياء دين جده الذي انتهكته عقليات الأمويين وأطماعهم الدنيوية.
«وارث محمد» هي شعيرة وطقس تعبدي وليس من العدل محاسبته مسرحياً وتأويله بما لا يحتمل، وأروع ما فيه هو عفويته التي تميزه وشعبيته، ومتى ما تعدى هذا الحد فإنه سيفقد وهجه وبراءته.
كاتب وناقد مسرحي - القطيف «القديح»
نقلاً عن شبكة راصد
[URL]http://rasid.zapto.org/artc.php?id=14829