تجذيف عكس التيار___
يوم الثلاثاء: السابع من صفر لعام 1430هـ
......................

...........................
ذات مرور غير مقصود ككثير أشباهه من تلك المرورات الغير منتهية في مضمار يزعم البعض أن أسمه ( الحياة) بينما هو في الحقيقة يمثل ( مقبرة مرفهة) للكثيرين جداً,
شاء القدر أن ينبهني لأمر ما عن طريق إرسال أشارة مجهولة إلى دماغي تخبرني بأن علي التوقف قليلا هاهنا
من اجل الإصغاء لمحاضرة يوشك احدهم أن يلقيها على روحي التي باتت منذ أيام مشتتة لحد يصعب حتى على مدمني ( البزل) مساعدتي في لملمتها,
فرضخت دون أن اعلم إذا ماكنت أريد أم لا أريد –
ولكنها واحدة أخرى من مرات عديدة تلك التي استسلم فيها دون أن اعرف مقدار رغبتي في تحقيق هذا الأمر أو عدمه,
كنت أسير كما هي العادة في طريقي إلى عملي , و قد كنت من هؤلاء النخبة الذين يفضلون السير على أقدامهم أثناء قيامهم بالمهام المفروضة عليهم
بدل أن يستقلوا ( الأتوبيس) أو حافلة النقل الجماعي المكتظة بلا جدال بأنواع و أصناف مألوفة وغير مألوفة البتة من المخلوقات...
التي قد تجد نفسك مضطرا في غالبية الوقت لأن تنعتهم بالبشر,
بيد أنهم في الأصل غير ذي صلة بالإنسانية لا بالوراثة ولا حتى بالاستنساخ أيضاً_
ربما تفضيلي لهذا النوع من النقل المعتمد كلياً على طاقتي في تحمل السير لمسافات بعيدة ...
هو مرتبط أساساً بفكرة كوني من هذا الصنف البشري ( غريبي الأطوار) الذي يزعم البعض أنهم من البلهاء,
بينما يكاد يجزم آخرون أنهم ( حكماء مقنعين)...
يتخذون من الجنون تقية لهم ليتلونوا مع مختلف المحيطات التي قد تداهمهم على حين غرة,
لا أجد ضيرا بحقيقة الحال في أن أسمى معتوهاً أو داهية,
فالمسافة بين الاثنتين ما هي إلا كلمة ( أو) فإما أن تكون أبلهاً أو تكون عاقل,
أنما ما ارغب فيه حقا هو شيء يفصلني عن هذين المصطلحين بمساحة شاسعة بحيث يستحيل التقائي بكليهما_
أن كنت من مناصري ليوناردو دفنشي , صاحب ( الموناليزا) الذي يجزم الجميع انه عبقري بالإجماع,
والحمد للرب أن أحدهم قد أجتمع على أمر أخيرا وأن كان ليس بذي قيمة ,
إلا انه مؤشر خير على إمكانية الاجتماع على أمور أخرى في المستقبل البعيد جداً والغير وارد في مخططات زعماء الشعوب,
فأنك ستكون حتما من هواة أجراء الكثير من المحادثات الصباحية مع نفسك, ونفسك فقط,
ذات مرة قرأت طرفة راقتني لدرجة أنها قد أوقعتني أرضا من الكرسي الدوار...
الذي أستخدمه عادة لأخذ وقت مستقطع من أفكاري الواردة بلا توقف في صندوق ما عاد يجد لها حيز فيه,
يقال أن ليوناردو اعتاد الحديث مع نفسه , وقد رآه الكثير يمارس هذا الفعل أن سرا أو علانية,
تجرأ احدهم وأقترب منه ليسأله وقد ظن أن خطبا ما يشكو منه هذا الفنان العظيم: مالي أراك لا تفتأ تحدث نفسك,
نظر دفنشي في وجه الرجل وتفحصه جيدا وكأنه أراد أن يقرأ خبر هذا الرجل وسيرته الذاتية قبل أن يفشي له بسره,
وحين أدرك أنه واحد أخر من هؤلاء الذين لا رغبة لهم بالسؤال بقدر ما يرغبون بالتحقيق وراء فلان وفلان بحثا وراء القيل والقال,
رد عليه و قد أعتدل في جلسته : كان لا بد لي وأن ألجأ إلى هذه العادة رغما عني,
حيث أني حتى الآن لم أجد أحد يستحق أن أتحدث معه غير نفسي,
وإلا لكنت حتما تخليت عن مزاولة هذا الأمر منذ زمن, أنها فعلا لنرجسية تستحق الانحناء والتكبير,
أقول هذا ولا اعني أني من أنصاره بل هو تشابه أفكار لا غير,
فمنذ زمن وأنا قد أهملت حديث الآخر, و احترفت إجراء الحوارات والسجالات وحتى العراك,
مع الــ( أنا) و ناذرا ماكنت أختلط مع أحدهم بحديث,
سوى ما يقتضيه الحال من الأحاديث العابرة التي لا تختلف كثيرا عن حديث البيع والشراء-
اليوم وبينما كنت متوجها إلى عملي, متأملا للحياة القائمة على قدم و ساق,
ومراقبا زحمة السير و العابرين من هنا وهناك,
متفحصا وجوههم وكأني أطابقها بــ( جوازاتهم) لأمنحهم الآذن بالعبور أو خلافه,
شعرت باهتزاز فكرة طارئة على قارعة اختناقي بدخان حالة اكتئاب عشوائية تقصف أيامي الأخيرة من حين لأخر,
وقد قرأت مؤخرا في كتاب الأبراج الذي أتسلى بمطالعته كثيراً, أن علي توخي الحذر في الأيام الأولى من كل شهر ,
فكوني تابع للأبراج المائية فعلي مراعاة معلومة مفادها أنها تتأثر كثيرا بمنزلة الهلال و موقعه من النجوم ,
و شكله الذي لا يزال في بداية تكوينه حتى يبلغ مرحلة الانتهاء والكمال,
وقد فسرت الأمر على أن كوني مرتبط بمنازل القمر و مواقع النجوم
فلابد وأن الأمر عائد للوجع الذي صاحب تكويني المبدئي في رحم الحياة ...
وكيف تفتقت من العدم لأتحول إلى سائل نتن,
ومن ثم لأصبح نطفة, فعلقة فمضغة, فعظام, فكسونا العظام لحماً, فسبحان الله أعظم الخالقين,
و يالها من رحلة طويلة تلك التي قضيتها بتزامن مع مشروع الانفجار الكبير, كما يطلق عليه الفيزيائيون,
والذين تمنيت ذات يوم أن التحق بركبهم غير أن مهاراتي الفيزيائية قد خذلتني بينما كنت ابحث لنفسي عن كرسي مناسب على مقاعد الدراسة
و لم تخولني لأكون حتى من جمهورهم,
و مضت الفكرة في رأسي بينما كنت أستعد لقطع الشارع لبلوغ الضفة الأخرى المزدحمة بمحلات حديثة الوجود,
وبينما كنت موشكاً على وضع خطوتي المعتادة في مكانها المعتاد
لأعلن أن النسخة المتوقع مني تسليمها اليوم للملائكة المسئولين بأن لا يغادروا مني صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها في كتاب مبين,
إذا بي أسترجع خطوتي إلى الوراء و قد قررت أمرا إجراميا في رأسي المضمخة بعبث شيطاني...
يصعب حتى على الشيطان نفسه أن ينفذ مهمة تنظيفه,
فإذا صوت ( أنا) يخترقني و يثير فيّ الكثير من التساؤلات:
ما الذي يحتم علي اجتياز هذا الطريق دون غيره,؟؟؟؟..................
ومن يجبر أولئك الآخرين أن يقطعوا ذلك السبيل دون السبل الأخرى الكثيرة المتاحة لهم,........................؟؟؟
و لماذا نصر على بلوغ المكان نفسه الذي أجمع أحدهم على أنه المكان المقرر عليك,
لماذا تبدو حياتنا كمسار نص من سالف الزمان يبدأ بجملة,
(عندما جاء الصباح, وأرسلت الشمس خيوطها الذهبية لمداعبة الأرض, أستيقظ فلان باكراً من أجل يوم حافل بالعمل,............)
..و من ثم نجد أنفسنا مجبرين لأن نختتم النص كما هو متوقع و نرضخه لعنجهيتنا لـــــــــ ينتهي بعبارة :
( وعاد من عمله في المساء, ليتناول عشاءه , وجلس أمام التلفاز لبعض الوقت رغبة في الحصول على بعض التسلية ,
وأخيرا ليأوي إلى فراشه ...... فغدا يوم عمل جديد)...
.لماذا نخضع أنفسنا لنص رديء كهذا و نصبح بذلك أبطال فاشلين بجدارة, ما المانع أن يبدأ النص من ظهر يوم الأحد\ الذي تغيب فيه فلان عن العمل مثلا ,
أو ربما فجر يوم الأربعاء الذي سهر فيه فلان أمام التلفاز حتى وقت متأخر...
فكانت النتيجة انه لم يسلك في اليوم التالي الطريق المقرر عليه بل كان ممددا على فراشه ,
وغارقا في كأس أحلامه دون أن ينتابه إحساس بالذنب لعدم انصياعه لصوت ضميره ...
الذي يخبره أن لا يتغيب عن المثول أمام بوابة الحافلة المزحومة عن أخرها بوجوه مقتضبة الجبين
وأخرى تنفث غضبا على كل من تصادفه وكأنه مسئول عن إيقاظها في وقت لا تشتهي أن يفسده عليها أحد,
كيف سيكون يومي لو لم أعبر هذا الطريق, و سلكت أخر أنتقيه بعشوائية محضة و دون تخطيط
كما أعتدت كل يوم على حفظ التفاصيل الدقيقة للشارع الذي أسلكه في رحلة ذهابي وإيابي من عملي,
حتى أنني أتذكر جيدا تلك الندبة في ذقن أبو أحمد...
الذي سمعت أسمه عن طريق الصدفة من أحد الصبية الذين اعتادوا رشق محله المتواضع بالحجارة,
و ربما أتذكر تماما عدد المرات التي أستبدل فيها زجاج الواجهة ,
و حتى أصناف الحلوى المركونة على رفوف محله قد باتت شبه محفوظة في ذاكرتي,
بيد أني لم أفكر مثلا بأن لهذا المدعو ( أبو أحمد ) علاقة بــ حياتي المستقبلية,
حتى أني لم ألقي عليه التحية ذات يوم,
فربما لو فعلت هذا لكان هناك شيء أخر يتعلق بتاريخي على هذه الأرض,
ربما أصبح أبو أحمد مثلا صديقي, وأصبحت أبتاع منه في كل مرة أحتاج فيها إلى مئونة,
وقد يقرضني بعضها في تلك الليالي التي أكون فيها بلا فلس يدق في جيبي,
و لأنه صاحبي فسيعفينني من بعض القروض المتراكمة علي هنا و هناك, أليس هذا أمراً محيراً,
حتى أني لم أفكر يوماً رغم مروري المتكرر على هذا الزقاق إلى ماذا سيقودني لو سلكته اليوم بدافع الفضول ربما, وربما عبثاً,
لكني أعجب كيف أني لم أخطأ يوما طريقي إلى عملي حتى حين أكون غارقا في أفكاري من رأسي إلى أخمص قدمي,
فأنني في النهاية أجد نفسي واقفا عند باب شقتي المنعزلة في منطقة نائية من البلدة,
الحال أشبه بأدائك للصلاة التي نؤديها غالباً بحكم العادة لا العبادة,
فتكون في أثناء قيامك بها أشبه بمركب بلا ربان ستقوده الرياح إلى الشاطئ سالماً أو محطماً,
كنت أتأمل وجه هذا الرجل صاحب البزة الرسمية الأنيقة بلونها الأسود النقي,
والذي لا يشبه زيي في شيء أبداً رغم كونهما باللون الأسود ذاته,
وكنت أتسأل عن سبب قيامه بمهنة حمل البضائع إلى أصحاب المحلات الجديدة,
رغم أن مظهره يوحي بأنه ثري, و علامات البذخ تكاد تشي به لكل من يراه,
حتى أني لم أستوقفه لأسأله عن أمره رغم استغرابي الخارق للعادة من هندامه المخملي
و مهنته الوضيعة على الأقل في منظور الغالبية من صعاليك الشارع العربي,
أظنني الآن عرفت سر هذا الرجل الأنيق, انه آخر سبقني الى اكتشاف نظريتي الخاصة بي والتي لم أخرجها بعد لمواجهة عقبات الحياة,
ربما لم يشأ أن يكون كغيرة نسخة مكررة لأصحاب الثروات والسلطة..
الذين اعتادوا على مر التاريخ أن ينفذوا مهام أسلافهم دون محاولة ولو صغيرة ليخرجوا عن الإطار الضيق الذي بات مستهلكاً بدرجة مقيتة,
قبل ان أبلغ موقع عملي بخطوات وفكرة ذاك الشاب تحاصر كل جهاتي, أنفض تلك الوساوس التي اختلقها رأسي المعبأ بقوانين لا حصر لها,
فــدستور ما يحوي مادة تنص على أن اللعنة والعقوبة تقع على أي تجاوز لـ بعض خطوط حمراء
وأخرى خضراء وغيرها صفراء والتي في حقيقة الأمر لم ارى أي منها حتى الآن إلا في دفاتر من يقررون مصائرنا,
وأؤجل التفكير فيها لوقت غير معلوم مع تلك الــ (غيرها) المركونة منذ زمن في مجمرة النسيان _!