إنه مثلما يكون لهذا الجسد صحة ومرض، وعلاج ومعالج، فإن للنفس الإنسانية أيضاً صحة ومرضاً، وسقماً وسلامة، وعلاجاً ومعالجاً. إن صحة النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق الإنسانية، ومرضها وسقمها هو الاعوجاج والانحراف عن طريق الإنسانية، وإن الأمراض النفسية أشد فتكاً آلاف المرات من الأمراض الجسمية.
وذلك لأن هذه الأمراض إنّما تصل إلى غايتها بحلول الموت. فما أن يحل الموت، وتفارق الروح البدن، حتى تزول جميع الأمراض الجسميّة والاختلافات المادية، ولا يبقى أثر للآلام أو الأسقام في الجسد. ولكنه إذا كان ذا أمراض روحية وأسقام نفسية ـ لا سمح الله ـ فإنه ما أن تفارق الروح البدن، وتتوجه إلى ملكوتها الخاص، حتى تظهر آلامها وأسقامها.
دعوتك يا إلهي عند السكون ..ولكن دعاءا عسى أن يُجاب
هذه النفس لن تنعم بصحة أبدا دونك يا رب ..
شكرا لك يا ضياء ..أضاء الله دربك دوما.. فأشد مرارة هي مرارة الجهل وإني لأطلب لك ولنفسي وللمؤمنين أن ينور الله طريقنا و يهدينا إلى العلم الذي بطاعته .
تاابع
الذي لم تجنِ من عبادتك ومناسكك إلاّ البعد عن ساحة الله المقدسة، والاستحقاق للعتاب والعقاب، علامَ اعتمادك؟ ولماذا لا يقلقك ولا يزعجك الخوف من شدة بأس الحق؟
أعندك متكأ تتكى عليه؟ أتثق بعملك وتطمئن إليه؟ إذا كان الأمر كذلك فالويل لك من معرفتك بحالك وحال مالك الملوك! وإذا كان اعتمادك على فضل الحق وسعة رحمته وشمول عناية ذاته المقدس، لكان ذلك في محلّه جدّاً. لقد اعتمدت على أمر وثيق، ولجأت إلى أوثق ملجأ.
كن على حذر، لئلا تخلط بين الرجاء والغرور. فقد تكون مغتراً وتحسب نفسك من أهل الرجاء. إن من السهل التمييز بين الحالين في مباديهما.
أنظر إلى هذه الحال التي فيك والتي تظن نفسك بها بأنّك من أهل الرجاء. فهي إمّا أن تكون ناشئة من التهاون في أوامر الحق سبحانه والتقليل منها، وإمّا أن تكون ناجمة عن الاعتقاد بسعة رحمة الله وعظمة ذاته المقدسة. وإذا عسر عليك التمييز بينهما أيضاً، أمكنك التمييز من خلال الآثار. فإذا كان الإحساس بعظمة الله في القلب، وكان قلب المؤمن محاطاً برحمة ذاته المقدسة وعطاياه، لقام القلب بواجب العبودية والطاعة.
إن لم تشعر بالنقص في طلب الدنيا، فعلى الأقل لا تطلبها من إنسان ضعيف مثلك.
وافهم بأنه لا حول للمخلوق في أعمال دنياك. فلو فرضنا بأنك استطعت مع الذل والامتنان المتكرر أن تكسب رأي الإنسان الذي تطلب منه إعمار دنياك فان رأيه وإرادته لا تكون فاعلة في مُلك الحق سبحانه. إذ لا يوجد أحد يتصرف في مملكة مالك الملوك. فلا تتملق لتأمين حياتك الدنيوية المعدودة، وشهواتك المحدودة، تجاه مخلوق معدم.
ولا تغفل عن إلهك، وحافظ على حريتك، وارفع أغلال العبودية والأسر عن رقبتك.
على الرغم من أن هذا العالم ليس بدار الجزاء والمكافأة وليس بمحل لظهور سلطة الحق المتعالي، وإنما هو سجن المؤمن، فلو تحررت من أسر النفس، وأصبحت عبداً للحق المتعالي، وجعلت القلب موحّداً، وأجليت مرآة روحك من غبار النفاق والأثنينيّة، وأرسلت قلبك إلى النقطة المركزية للكمال المطلق، لشاهدت بعينك آثار ذلك في هذا العالم، ولتوسع قلبك بقدر يغدو محلاً لظهور السلطنة التامة الإلهية حيث تصير مساحتها أوسع من جميع العوالم.
تذكرني هذه الإشعاعات النورانية ب كلام للإمام الكاظم عليه السلام.. كان حديثه عن التفقه في الدين ، من ضمن آثار هذا التفقه أنه يرفع حظ المؤمن في الدنيا قبل الآخرة.
إن الموضوع خطير، والطريق محفوف بالمخاطر، فاْبذل من كل وجودك الجهد واْجعل الصبر والثبات من طبيعتك، أمام حوادث الأيام واْنهض أمام النكبات والرزايا، ولقّن النفس بأن الجزع والفزع مضافاً إلى أنهما عيبان فادحان، لا جدوى من ورائهما للقضاء على المصائب والبليات، ولا فائدة من الشكوى على القضاء الإلهي وعلى إرادة الحق عزّ وجل أمام المخلوق الضعيف الذي لا حول له ولا قوة.